الشيخ محمد رشيد رضا

482

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا يترتب عليه عمل يطهرهم ويزكي أنفسهم ، بل يقال لهم ( آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ) كما قيل لفرعون ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) * * * ( 98 ) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها ، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 99 ) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ، أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 100 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * * * هذه الآيات الثلاث تفريع على اللواتي قبلهن وتكميل لهن في بيان سنة اللّه في الأمم مع رسلهم ، وفي خلق البشر مستعدين للأمور المتضادة من الايمان والكفر ، وفي تعلق مشيئة اللّه وحكمته بأفعاله وأفعال عباده ووقوعها على وفقهما 98 - فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها لولا هذه للتحضيض كما قال أئمة اللغة والنحو . والمراد بالقرية أهلها وهم أقوام الأنبياء فإنهم كلهم بعثوا في أهل الحضارة والعمران دون البادية . أي فهلا كان أهل قرية من قرى أقوام أولئك الرسل آمنت بدعوتهم وإقامة الحجة عليهم ، فنفعها إيمانها قبل وقوع العذاب الذي أنذروا به ، أي انه لم يؤمن قوم منهم برمتهم ، فان التحضيض يستلزم الجحد إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا قبل وقوع العذاب بهم بالفعل ، وكانوا علموا بقربه من خروج نبيهم من بينهم وروي أنهم رأوا علاماته ، ويجوز في هذا الاستثناء الاتصال والانفصال كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي صرفنا عنهم عذاب الذل والهوان في الدنيا لان نبيهم خرج بدون إذن اللّه تعالى له فلم تتم عليهم الحجة ، ولا حقت عليهم كلمة العذاب ، وقد استدلوا بذهابه مغاضبا لهم على قرب وقوع العذاب